
لقد سجلت دبي خلال عام 2025 معاملات عقارية بقيمة 917 مليار درهم، وهو أعلى مستوى في تاريخ السوق العقارية بالإمارة، بحسب دائرة الأراضي والأملاك في دبي. وفي الوقت ذاته، تشير تقديرات وكالة ‘فيتش’ إلى دخول ما يصل إلى 120 ألف وحدة سكنية جديدة إلى السوق خلال عام 2026، في ظل توقعات باعتدال وتيرة الارتفاعات السعرية مقارنة بالنمو القوي الذي شهدته السوق خلال عامي 2024 و2025 وفقاً لتقديرات كوشمان آند ويكفيلد كور. وفي سوق بهذا الحجم والزخم، ومع هذا المستوى من المعروض الجديد، لا يتمثل التحدي الحقيقي أمام المطورين في قدرة مشاريعهم على تحقيق المبيعات، بل في قدرتها على الحفاظ على قيمتها التنافسية وسط المشاريع التي تتوالى إلى السوق، وفي ما إذا كانت الأبنية التي تحمل أسماءهم ستُذكر بالمعايير التي أرستها أم بالتنازلات التي قبلت بها. ففي الأسواق العقارية الناضجة، لا تبنى السمعة خلال فترات الازدهار فقط، بل تصاغ قيمتها الحقيقية بما يبقى ويصمد على المدى الطويل.
الأدلة لم تعد محل نقاش. فبعد مراجعة شملت أكثر من 300 دراسة أكاديمية محكّمة ومستقلة أظهرت أن المشاريع السكنية التي تضع صحة الإنسان ورفاهيته في صميم تصميمها تحقق علاوة سعرية تتراوح بين 10% و25%، بينما تحصد المباني التجارية عوائد إيجارية أعلى من نظيراتها التقليدية. وانطلاقاً من هذه المعطيات، بدأت مجموعة من المطورين في أوروبا والشرق الأوسط ومن بينها دولة الإمارات، بإدراج معايير الصحة الكهرومغناطيسية ضمن الأسس التصميمية للمشروعات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تحولاً في نظرة القطاع إلى القيمة المضافة، من التركيز على المرافق والخدمات إلى تبني معايير نوعية تعزز استدامة الأصول وترسخ مكانتها على المدى الطويل.
تكشف المؤشرات أن الطلب على هذا النوع من المساكن لم يعد مجرد توجه ناشئ، بل أصبح خياراً مدفوعاً باعتبارات واضحة لدى المستهلكين. ووفقاً لدراسة ‘أمريكا في المنزل – America at Home’، بات 60% من المستهلكين يعتبرون الصحة والعافية السبب الرئيسي وراء تفضيلهم لخصائص معينة في المنازل، بزيادة قدرها 17 نقطة مئوية مقارنة بما كانت عليه الحال قبل عامين. ولا يختلف المشهد في دولة الإمارات العربية المتحدة. فقد أظهرت دراسة استقصائية شملت أكثر من ألف مقيم في الدولة أن 90% من المشاركين يرون أن توفير بيئة منزلية صحية يعد أمراً أساسياً، فيما أبدى أكثر من 80% استعدادهم لدفع قيمة إضافية مقابل عقار يدعم صحتهم ورفاهيتهم. كما أفاد نحو نصف المشاركين بأنهم على استعداد كبير لدفع مبالغ أعلى للحصول على منزل مصمم وفق مفاهيم العافية، وفقاً لبيانات ‘يوغوف’ و’آر.إيفوليوشن’ لعام 2025. وتؤكد هذه المعطيات أن التحول في تفضيلات المشترين ليس ظاهرة محصورة بسوق أو منطقة جغرافية بعينها، بل يعكس إعادة تعريف عالمية لمفهوم القيمة العقارية وما يتوقعه الأفراد من بيئاتهم السكنية. وفي الوقت الذي تتسارع فيه هذه التوقعات، لا تزال استجابة جزء من المعروض العقاري دون المستوى المطلوب، ما يفتح المجال أمام المطورين الأكثر استشرافاً للمستقبل للاستفادة من فجوة متنامية بين طلب السوق وما يتم تقديمه فعلياً على أرض الواقع.
في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، تبدو هذه الفجوة أكثر وضوحاً. فالعقارات المرتبطة بمفاهيم العافية تمثل اليوم أكثر من 12% من إجمالي أنشطة البناء في البلدين، فيما يضم خط التطوير أكثر من 555 ألف وحدة سكنية تركز على العافية، وفقاً لبيانات ‘المعهد العالمي للعافية’ لعام 2026. كما شهد سوق العقارات المرتبطة بالعافية في دولة الإمارات نمواً لافتاً، مرتفعاً من 3.3 مليارات دولار في عام 2017 إلى 14.6 مليار دولار في عام 2025. ورغم هذا النمو المتسارع، لا يزال جزء كبير من المشاريع التي يتم تسويقها تحت مظلة ‘العقارات المرتبطة بالعافية’ يفتقر إلى الاعتماد المستقل أو المعايير القابلة للقياس والتحقق، مع تركيز أكبر على المرافق والخدمات أكثر من التركيز على المواصفات والمعايير الفعلية للمبنى. فوجود نادٍ رياضي أو مسبح داخل المشروع لا يكفي وحده لتصنيفه كمبنى يعزز العافية. فهذه المرافق قد تدعم الرسالة التسويقية للمشروع، لكن المباني المرتبطة بالعافية الحقيقية تقاس بالمعايير التي تتبناها والأثر الذي توفره لسكانها، وليس فقط بالخدمات التي تضمها.
يبقى العامل الفارق بين المباني التي تستند إلى معايير مرتبطة بالعافية حقيقية وتلك التي تكتفي بالشعارات التسويقية هو جودة البيئة الداخلية التي تؤثر في حياة السكان بشكل مستمر، سواء كانت أنظمة المبنى في حالة تشغيل أو توقف. وتظهر الدراسات أن سكان دولة الإمارات يولون أهمية كبيرة لهذه العوامل غير المرئية، إذ أفاد 92% منهم بأن جودة الهواء الداخلي تمثل أولوية أساسية لصحتهم، فيما أكد 93% أهمية الحصول على مياه نقية ومعالجة، وفقاً لاستطلاع أجرته ‘يوغوف’. ويندرج التعرض للمجالات الكهرومغناطيسية ضمن هذه الفئة من العوامل البيئية التي يصعب ملاحظتها بالعين المجردة، لكنها ترافق المستخدمين بصورة متواصلة داخل المباني. فالمجالات الناتجة عن أنظمة التمديدات الكهربائية وشبكات الاتصال والبنية التحتية الرقمية أصبحت جزءاً من البيئة الداخلية الحديثة، ويمكن قياسها وإدارتها خلال مراحل التصميم أو التطوير والتحديث، بما يعزز جاهزية المباني لمتطلبات المستقبل. كما تعكس التجارب التنظيمية في عدد من الأسواق المتقدمة تنامياً في الاهتمام بهذا الجانب. ففي فرنسا تم تقييد استخدام الشبكات اللاسلكية ‘واي فاي’ في دور الحضانة بموجب القانون رقم 136-2015 الصادر عن الجمعية الوطنية الفرنسية، بينما اعتمدت سويسرا حدوداً احترازية خاصة بالمجالات الكهرومغناطيسية في بعض المرافق الحساسة مثل المدارس والمستشفيات بقرار من المجلس الفيدرالي السويسري. وتشير هذه التوجهات إلى تصاعد الاهتمام بجودة البيئات الداخلية كجزء من معايير البناء الحديثة. لذا، فإن المطورين الذين يدرجون هذه الاعتبارات ضمن مراحل التخطيط والتصميم لا يواكبون توجهاً جديداً فحسب، بل يستعدون لمعايير قد تصبح أكثر حضوراً وتأثيراً في مستقبل القطاع العقاري، مع تنامي تركيز المشترين والمستثمرين على جودة البيئة السكنية واستدامتها.
لا ترتبط العلاوة السعرية التي تتراوح بين 10% و25% في العقارات المرتبطة بالعافية بعدد المرافق والخدمات التي يوفرها المشروع، بل بمدى امتلاكه لمعايير ومؤهلات موثقة يصعب تكرارها أو تقليدها. فالقيمة الحقيقية لا تُبنى على طول قائمة المزايا، وإنما على جودة المعايير التي تستند إليها وقدرتها على الصمود أمام تغيرات السوق. وفي سوق يستعد لاستقبال نحو 120 ألف وحدة سكنية جديدة خلال عام واحد، تصبح هذه الفروقات أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالتحدي لم يعد يقتصر على جذب المشترين أو تحقيق المبيعات، بل يمتد إلى الحفاظ على القيمة التنافسية للمشروع على المدى الطويل. ومن هذا المنطلق، لا يعد الاستثمار في معايير البناء المتقدمة مجرد أداة للتموضع التسويقي، بل عاملاً أساسياً في تحديد المشاريع القادرة على قيادة الدورة العقارية المقبلة، مقارنة بتلك التي تذوب تدريجياً وسط وفرة المعروض وتشابه المنتجات المطروحة في السوق.

