
بين البحر الأحمر والخليج العربي، يحتل النقل البحري مكانة أساسية في الاقتصاد السعودي. وفي حال وقوع تلوث تتسبب فيه ناقلة نفط، يتوقف التكفل
بالأضرار على عدة آليات دولية. وتقوم فعالية هذه الآليات بشكل خاص على موثوقية التأمين وعلى الرقابة التي تمارسها الدول.
تبعات تتجاوز السفينة
عندما تتعرض ناقلة نفط لعطب، تتركز التدخلات الأولى عادةً على سلامة الطاقم، وتثبيت السفينة، ومنع أي تلوث محتمل. لكن ما إن تتم السيطرة على حالة الطوارئ حتى يبدأ عمل من نوع آخر: تقييم الأضرار وتحديد المسؤوليات المالية. وقد تطال التبعات عدة أنشطة اقتصادية. فالتلوث قد يستلزم عمليات تنظيف، أو يربك نشاط الصيد، أو يؤثر في المرافق المينائية، أو يقلّص مؤقتًا النشاط السياحي في بعض المناطق الساحلية.
وبالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، التي تحتضن واجهاتها البحرية بنى تحتية للطاقة وموانئ تجارية ونُظمًا بيئية حساسة، تحتل هذه المسائل مكانة مهمة في إدارة المخاطر.
ويتضمن القانون البحري الدولي آليات تهدف إلى تحميل المسؤولين عن الحادث وشركات تأمينهم تكاليفه. غير أن وجود هذه الآليات لا يضمن التعويض الكامل عن كل حادث.
تأمين يهدف إلى تعويض المتضررين
في النقل البحري، يلجأ ملاك السفن عادةً إلى فئتين رئيسيتين من التغطية التأمينية. فتأمين البدن والآلات يحمي أساسًا قيمة السفينة ومعداتها. أما تأمين المسؤولية المدنية، المعروف باسم «الحماية والتعويض» (Protection and Indemnity) أو P&I، فيتدخل لتغطية أضرار مختلفة تلحق بالغير. ويمكن أن يشمل على وجه الخصوص إصابات البحارة، وبعض خسائر البضائع، وتبعات التصادم، وإزالة الحطام، والتكاليف المرتبطة بالتلوث.
وتقوم السوق الدولية إلى حد كبير على اثنتي عشرة جمعية تأمين تبادلي منضوية في المجموعة الدولية لنوادي الحماية والتعويض (International Group of P&I Clubs) . وتؤمّن هذه الهيئات مجتمعةً نحو 87% من الحمولة العالمية لسفن أعالي البحار. ويقوم عملها على تقاسم المخاطر. ويتحمل كل نادٍ الشريحة الأولى من المطالبات، وهي حاليًا في حدود 10 ملايين دولار. وفيما يتجاوز هذا المبلغ، يتقاسم أعضاء المجموعة بعض التعويضات، ويستعينون ببرامج إعادة التأمين لمواجهة الخسائر الأكبر.
وتقدّم شركات تأمين أخرى أيضًا ضمانات بحرية. ومشاركتها في السوق قانونية، لكن قدراتها المالية والتعاقدية قد تختلف.
شهادة التأمين لا تكفي دائمًا
تفرض الاتفاقيات الدولية ضمانات مالية لعدة فئات من المسؤوليات، ولا سيما التلوث بالنفط المنقول بوصفه شحنة، والتلوث الناجم عن وقود السفن، وكذلك إزالة الحطام في ظل شروط معينة.
وبالنسبة إلى السفن المعنية، تُثبت شهادة رسمية وجود الضمان المطلوب. وتصدر هذه الشهادة أو يُصادَق عليها تحت سلطة دولة العلم، أي الدولة التي سُجّلت فيها السفينة. وتُعدّ هذه الوثيقة مستندًا مهمًا خلال عمليات التفتيش في الموانئ. غير أنها لا تكشف بالضرورة عن الوضع المالي الكامل لشركة التأمين. فقد تحوز مؤسسة ما التراخيص اللازمة من دون أن تتمتع بالقدرات نفسها على السداد التي تتمتع بها مجموعة تبادلية كبرى. وفي حال وقوع حادث كبير، قد يصبح هذا الفارق حاسمًا.
وقد اعتمدت المنظمة البحرية الدولية توصيات تهدف إلى تحسين تقييم شركات التأمين والضمانات. ويتوقف تطبيقها بشكل خاص على الإدارات الوطنية.
وفي الخليج العربي، تُنسَّق عمليات تفتيش السفن الأجنبية على المستوى الإقليمي في إطار مذكرة تفاهم الرياض. وتضم هذه المذكرة، التي أُنشئت عام 2004، ست دول هي: المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت. وتتيح هذه الرقابة على وجه الخصوص التحقق من الوثائق النظامية للسفن التي ترسو في الموانئ. أما السفن التي تكتفي بعبور منطقة بحرية من دون دخول الميناء، فلا تخضع لعمليات التفتيش المينائي ذاتها.
تسجيل السفن: عنصر حاسم
يتسم القطاع البحري بخصوصية: فالمالك المنتفع والمشغّل وشركة التأمين ودولة العلم قد يخضعون لأربع ولايات قضائية مختلفة. وهذا التنظيم شائع في التجارة الدولية. غير أنه يجعل تحديد المسؤوليات أكثر تعقيدًا عندما يشمل الحادث عدة شركات. وتزداد الصعوبات حين تكون بيانات التسجيل غير دقيقة أو مزوّرة.
وفي أبريل 2026، وافقت اللجنة القانونية للمنظمة البحرية الدولية على مبادئ توجيهية جديدة تهدف إلى تحسين شفافية سجلات السفن. وأشارت المنظمة حينها إلى 529 سفينة رفعت علم دولة ما من دون وجه حق خلال العام السابق. ولا تقتصر هذه المخالفات على الهوية الإدارية للسفن. فهي قد تُعقّد عمليات التحقق من الملاك ومديري السفن والضمانات المالية.
وتبرز مشكلة أخرى عندما يكون التأمين غير كافٍ. فقد كشف غرق ناقلة النفط «فولغونفت 139»، الذي وقع في مضيق كيرتش عام 2007، على وجه الخصوص عن تغطية تقل عن المبلغ النظامي المطلوب. ويوضح هذا المثال الفرق بين حيازة وثائق التأمين والتوافر الفعلي للمبالغ اللازمة للتعويض.
منظومة دولية تختلف من بلد إلى آخر
بالنسبة إلى التلوث الناجم عن الزيوت الهيدروكربونية الثابتة التي تنقلها ناقلات النفط بوصفها شحنة، تنص الاتفاقية الدولية بشأن المسؤولية المدنية لعام 1992 على مسؤولية مالك السفينة، مقرونةً بتأمين إلزامي.
وتُحتسب الحدود القصوى المنصوص عليها في الاتفاقية بوحدة حقوق السحب الخاصة، وهي وحدة حسابية تابعة لصندوق النقد الدولي. وتتفاوت هذه الحدود بحسب حمولة السفينة، بحد أقصى قدره 89.77 مليون وحدة من حقوق السحب الخاصة.
وتتمتع بعض الدول بحماية إضافية بفضل الصندوق الدولي للتعويض عن الأضرار الناجمة عن التلوث النفطي، المعروف اختصارًا باسم IOPC. وتتيح هذه الآلية، وفق الشروط المنصوص عليها في الاتفاقية، استكمال التعويضات عندما تكون التعويضات المترتبة على مسؤولية المالك غير كافية أو غير متاحة. ويمكن أن يبلغ الحد الأقصى الإجمالي 203 ملايين وحدة من حقوق السحب الخاصة. ويوفر صندوق تكميلي قدرة أعلى من ذلك للدول المشاركة فيه.
وتنطوي الحالة السعودية على خصوصية مهمة. فالمملكة طرف في اتفاقية المسؤولية المدنية لعام 1992، لكنها ليست من الدول الأعضاء في صندوق عام 1992، خلافًا للإمارات العربية المتحدة. وعليه، فإن التعويض المقرر بموجب الاتفاقية عن الأضرار الخاضعة لهذه المنظومة في المياه السعودية يقوم على مسؤولية مالك ناقلة النفط وعلى ضمانه المالي، من دون تدخل صندوق IOPC.
وقد تنطبق منظومات قانونية أخرى على فئات أخرى من التلوث، ولا سيما التلوث الناجم عن وقود السفينة. ومن ثمّ، لا توجد آلية واحدة تغطي جميع الحوادث البحرية من دون تمييز.
التعاون الإقليمي يكمّل التأمين
لا تقتصر الاستجابة للتلوث على شركات التأمين. فالدول المشاطئة تملك أيضًا هياكل مخصصة لتنظيم عمليات التدخل وتيسير التعاون الفني.
وفي الخليج العربي، يسهم مركز المساعدة المتبادلة للطوارئ البحرية (MEMAC)، الذي يقع مقره في المنامة، في التنسيق الإقليمي لوسائل مكافحة التلوث.
وعلى واجهة البحر الأحمر، تسهم الهيئة الإقليمية للمحافظة على بيئة البحر الأحمر وخليج عدن (PERSGA)، التي يقع مقرها في جدة، في حماية البيئة البحرية والتأهب لحالات الطوارئ.
وتؤدي هذه الهيئات دورًا تشغيليًا ومؤسسيًا. غير أنها لا تحل محل شركات التأمين، ولا محل الآليات القانونية للتعويض.
واعتبارًا من 29 نوفمبر 2027، سيُرسي دخول اتفاقية HNS الدولية حيّز النفاذ أيضًا منظومةً خاصة بالأضرار المرتبطة بالنقل البحري للمواد الخطرة والضارة، ومنها بعض المواد الكيميائية والغازات. وستستفيد منها الدول الأطراف وفق شروط الاتفاقية.
وهكذا، تقوم الحماية المالية للأنشطة الساحلية في المملكة العربية السعودية على عدة عناصر متكاملة: تحديد المسؤولين، وتطبيق الاتفاقيات، والتحقق من الشهادات، والقدرة الفعلية لجهات التأمين على الوفاء بالتزاماتها.
وتظل الوقاية من الحوادث أمرًا أساسيًا. لكن عند وقوع حادث، تحدد جودة الضمانات المالية أيضًا إمكانات جبر الأضرار الاقتصادية والبيئية.




